اشترك في النشرة الأخبارية
اشترك
#245سبتمبر 2021

الطاقة النووية تدعم الحياد المناخي

العودة إلى المحتويات

يواصل المجتمع العالمي مناقشة أهلية الطاقة النووية لمزيج الطاقة. الحجة الواضحة للصناعة النووية التي عادت إلى الظهور مؤخرًا هي أن الذرة السلمية هي المصدر الوحيد للطاقة الخالية من الكربون باستثناء مصادر الطاقة المتجددة. إذا أردنا الحد من الانبعاثات وتحقيق الحياد المناخي، فنحن بحاجة إلى توليد الطاقة النووية.

تجري المناقشات حول الطاقة النووية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمملكة البريطانية. ومن الواضح أن المخاطر تتزايد يوميا. لا يتعلق الأمر بالمنافسة بين تقنيات الطاقة المتاحة ولكن يتعلق بكيفية تجنب كارثة مناخية. هناك احتجاج متزايد من قبل المجتمع المهني على التراجع عن التقنيات التي يمكن أن تنقذ كوكبنا من الاحترار الشديد.

ويقول كيري إيمانويل، عالم المناخ من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة الأمريكية: “إذا قالوا إن تغير المناخ هذا أمر مروع أو أنه خطر غير مقبول، ثم استبعدوا إحدى الطرق الأكثر وضوحًا لتجنب الطاقة النووية، فهم ليسوا فقط غير متناسقين بل وأنهم غير صادقين”. ومن الجدير بالذكر أن هذه التصريحات نشرتها صحيفة Tichys  Einblick  الألمانية، لكن ألمانيا مستمرة في جهودها للتخلص التدريجي من الطاقة النووية في أسرع وقت ممكن. “في الواقع ، يبدو سخيفا أن نفس الأشخاص الذين يواصلون إخبارنا يوميًا عن التغير المناخي الذي يلوح في الأفق يظلون دائمًا صامتين بشأن الطاقة النووية”، على حد تعبير كاتب المقال، راينر زيتلمان. وأضاف أن السبب الحقيقي وراء الانسحاب التدريجي من الطاقة النووية لم يكن كارثة فوكوشيما ولكن انتصار حزب الخضر (المنحدر من النشطاء المناهضين للطاقة النووية) في انتخابات بادن فورتمبيرغ بعد أسبوعين فقط من الكارثة. ويعتقد المؤلف أن الانسحاب التدريجي جاء في محاولة أنجيلا ميركل لكسب المزيد من الأصوات على حساب هذه المسألة. لقد كانت خطوة خاطئة لأن ألمانيا “لم تنجح كثيرًا في معالجة تغير المناخ منذ ذلك الحين على الرغم من كل الجهود التي بذلتها”. كما أشار المؤلف، فإن مؤشر الأداء البيئي لعام 2021 الذي نشرته جامعة ييل يقول إن بعض المحللين يعتقدون أن التخلص التدريجي من الطاقة النووية سيجعل ألمانيا تفشل في تحقيق هدف حماية المناخ.

ويتشاطر السياسيون والشخصيات العامة الفرنسية الرأي نفسه. “ماذا يحدث في الاتحاد الأوروبي الآن؟ حدد الاتحاد الأوروبي هدفًا يتمثل في تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050 وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 55% بحلول عام 2030 مقارنة بمستوى عام 1990. وهو يشرع في تعزيز الطاقة المتجددة وتدابير كفاءة الطاقة. تتطابق كل هذه الجهود مع الدور الذي ينوي الاتحاد الأوروبي القيام به في مكافحة الاحتباس الحراري. لقد حان الوقت لكي نتوقف عن شراء الخرافات، مثل تلك التي تدور حول الاستخدام المكثف للطاقة المتجددة المتقطعة باعتبارها مستدامة”، كما ورد في مقال كتبه رئيس جمعية الدفاع عن التراث النووي والمناخ        (PNC France)  والرئيس السابق للجمعية الوطنية الفرنسية برنارد أكوير ومؤسس WeCARE مارك ديفرينيس. إنهم يعتقدون أنه على السياسيين المسؤولين أن يتسألوا عن الدور الذي ستلعبه الطاقة النووية في مزيج الطاقة المنخفض الكربون وأن يبذلوا قصارى جهدهم لإطالة عمر محطات الطاقة النووية الحالية. سيساعد هذا في تجنب أي استثمارات كبيرة أخرى في الغاز، والتي ستستمر على المدى الطويل إلى جانب الوقود الكربوني. كما يقول المؤلفون “إن بلجيكا هي خير مثال على ما لا ينبغي فعله أبدًا: لقد تخلصت تدريجياً من الطاقة النووية لأسباب سياسية وحدها وأنشأت بدلاً من ذلك محطات طاقة تعمل بالغاز واستخدمت آلية تمويل (…) تزيد من تكاليف الكهرباء للمستهلكين النهائيين. بصرف النظر عن صيانة المفاعلات الحالية، يجب ألا نتوقف أبدًا عن تطوير مفاعلات المستقبل، بما في ذلك المفاعلات الأصغر، من أجل اندماج أفضل في نظام خالٍ تمامًا من الكربون ومرن ومبسط”.

“إن أزمة المناخ الحالية وشيكة ولا مفر منها. في الوقت نفسه يموت أكثر من 8 ملايين شخص كل عام بسبب الهواء الملوث بالوقود الأحفوري. يمكن تجنب هذه الوفيات والطاقة النووية لها مزايا واضحة في هذا السياق. إنها تسهل الانتقال إلى الطاقة المستدامة وتحسن جودة الهواء  وتخلق وظائف جديدة وتمكّن من الإنتاج المستمر للكهرباء الخضراء الرخيصة في محطات الطاقة التي تتمتع بأمان وعمر خدمة طويل نسبيًا حيث يصل إلى 80 عامًا”، كما يقول الناشطان المؤيدان للطاقة النووية زيون لايتس (المملكة المتحدة) وإيزابيل بوميكي ورئيس منظمة Les Voix du Nucléaire  (منظمة غير حكومية فرنسية) ميرتو تريباثي.

في شهر يوليو من هذا العام نشر موقع وسائل الإعلام الأمريكية CNET مقالًا يحتوي على العديد من التعليقات والبيانات حول الحاجة إلى تطوير الصناعة النووية للحد من الانبعاثات. علق ليون كلارك وهو مدير الأبحاث في مركز الاستدامة العالمية على هذا الأمر قائلا: “إن المفتاح لكل ذلك هو الدرجة التي تعتقد أنه يمكننا تحقيق أهداف المناخ بها باستخدام مصادر الطاقة المتجددة بنسبة 100%.  إذا كنت تعتقد أننا لا نستطيع القيام بذلك، وأنت تهتم بالمناخ، فأنت مجبر على التفكير في شيء مثل الطاقة النووية”.

يذكر مؤلف المقال أنه بعد كارثة فوكوشيما، استبدلت اليابان محطات الطاقة النووية لديها بمرافق تعمل بالفحم بدلاً من مصادر الطاقة المتجددة. في السنوات الخمس المقبلة ستقوم ببناء 22 محطة طاقة أخرى تعمل بالفحم. ونيويورك تتبع نفس المسار. كما يقول كلارك، فإنه “مع إنشاء ثلاث محطات للغاز الطبيعي لأجل توفير الطاقة التي كانت تنتج حتى الآن بواسطة محطة Indian Point، فمن المرجح أن ترتفع الانبعاثات بعد إغلاق المحطة. هذا أكثر من مجرد تخمين: فقد ارتفعت حصة الغاز الطبيعي في استهلاك الطاقة من 36% إلى 40% بعد إغلاق أول مفاعل لمحطة Indian Point العام الماضي”. إن فكرة استبدال محطات الطاقة النووية بمصادر الطاقة المتجددة هي فخ ذهني لأن الهدف النهائي يكمن في إزالة الكربون بدلاً من اللعب بالتقنيات. “يقول الناس – حسنًا، دعونا نستبدل الطاقة النووية بالرياح والطاقة الشمسية … لكني أعتقد أنه ليس سواء النظر إلى الوراء. فنحن بحاجة إلى استبدال الوقود الأحفوري”، وفق ما نقلته المقالة عن ديتمار ديترينغ، وهو رجل أعمال ألماني يعيش في نيويورك. 

تم التوصل إلى الاستنتاج حول أهمية الطاقة النووية لإزالة الكربون في مراجعة التكنولوجيا النووية التي تعتمد على البيانات من مشروع مسارات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا (“تعزيز قدرة الدول الأعضاء في لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا على تحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالطاقة – مسارات إلى الطاقة المستدامة”). وتقول المراجعة: “يجب نشر جميع التقنيات المتاحة المنخفضة الكربون لسد الفجوة بين ما تم الالتزام به وما هو المطلوب”.

ومع ذلك، لا تزال الطاقة النووية تواجه انتقادات. فحتى البحث السريع على الإنترنت يؤدي إلى ظهور مقالات ناقدة نشرتها مجلة فوربس ومؤسسة هاينريش بول (التابعة لحزب الخضر الألماني) ونيويورك تايمز وما إلى ذلك. في الواقع يتخلص ​​النقد في النقاط الأربعة التالية هي الطاقة النووية باهظة الثمن وتتطلب فترة زمنية طويلة للغاية  وتعتبر خطيرة والمستهلكون معتمدون على بائع التكنولوجيا.

ومع ذلك، هناك اعتراضات صحيحة على كل نقطة. دعونا نلقي نظرة على التكاليف أولا. تحتوي مراجعة التكنولوجيا النووية التي أعدتها مجموعة عمل لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا حول حيادية الكربون ومجموعة من كبار الخبراء الدوليين على ملاحظة مهمة تقول إن التكلفة القياسية للطاقة (LCOE) من مصادر مختلفة ينبغي مقارنتها على أساس كل بلد بمفرده بدلاً من دراستها بشكل عام. وبالتالي ، تبين أن LCOE لمحطة نووية في اليابان وروسيا وكوريا الجنوبية هو الأدنى مقارنة بأي مصادر الطاقة المتجددة الأخرى. وينطبق الشيء نفسه على التوليد النووي في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. كما أشار مؤلفو المراجعة إلى أنه “في أنحاء كثيرة من العالم، تعد الطاقة النووية أحد أكثر الخيارات تنافسية من حيث التكلفة لتوليد الكهرباء. تمامًا مثل تقنيات التوليد الأخرى، فإن تكلفة الكهرباء النووية حساسة لمجموعة من العوامل بما في ذلك العمر الافتراضي للأصول وعوامل القدرة وتكاليف رأس المال وتكاليف الوقود وتكاليف التشغيل”.

ويعتقدون أيضًا أنه يمكن خفض التكاليف بشكل أكبر عن طريق تحسين نضج التصميم وكفاءة التشغيل وضمان التحكم الموثوق به والذي يمكن التنبؤ به وإطلاق الإنتاج الشامل. سيؤدي ذلك إلى خفض تكلفة بناء محطة تالية بنسبة 40% والمفاعلات التسلسلية بنسبة 60%. يمكن تحقيق التخفيض من خلال تحسين التصميم والابتكار التكنولوجي ومراجعة الإجراءات التنظيمية ومواءمة الترخيص والقواعد والمعايير.

أما بالنسبة للوقت اللازم لبناء محطة نووية، فمن الصحيح أنه لا يمكن بناؤها في غضون عام، ولكن هذا ممكن في غضون خمس إلى سبع سنوات. على سبيل المثال، تم صب الخرسانة الأولى لتأسيس محطة الطاقة النووية البيلاروسية في نوفمبر 2013 ليتم توصيلها بشبكة الطاقة الوطنية في نوفمبر 2020. ويقول الكثيرون إن الأمر يتتطب فترة زمنية أطول بكثير من بناء مزرعة رياح أو طاقة شمسية. هذا صحيح ولكن يجب الأخذ بالحسبان أن عمر تصميم المفاعلات النووية القديمة كان 40 عامًا، بينما يمتد اليوم إلى 80 عامًا. ويبلغ عمر تصميم محطات روساتوم النووية 60 عامًا ويمكن تمديدها إلى 80 وربما حتى 100 عام. بمعنى آخر، تقع محطة طاقة نووية واحدة قيد التشغيل لفترة تساوي عمر ثلاث إلى خمس مزارع طاقة شمسية أو طاقة رياح.

تمثل النفايات النووية مصدر قلق آخر، لكن دولًا مثل فرنسا والصين تعمل على حل المشكلة. ومع ذلك، فإن روسيا هي اللاعب الأكثر نشاطًا في مجال “دورة الوقود النووي المغلقة”. اليوم، يجد هذا المفهوم طريقه نحو التطبيق بطرق مختلفة هي المفاعلات السريعة المبردة بالصوديوم (على سبيل المثال، BN-800 في محطة بيلويارسك) والمفاعلات السريعة المبردة بالرصاص (مثل مفاعل BREST-300 التجريبي) ووقود ريميكس لمفاعلات VVER. سيؤدي إغلاق دورة الوقود النووي إلى تمكين الاستفادة الكاملة من طاقة اليورانيوم  فضلاً عن تقليل النفايات وفترة التخزين. وتقول مراجعة التكنولوجيا النووية إن حوالي 97% من النفايات المشعة الناتجة عن الصناعة النووية تنتمي إلى نفايات منخفضة المستوى من حيث خصائصها الكيميائية الإشعاعية. وتمثل النفايات المشعة العالية المستوى 0.1% من إجمالي الكمية. من أجل التخلص من النفايات العالية المستوى، تقوم فنلندا ببناء مستودع جيولوجي عميق منظم بحواجز أمان متعددة. وأخيرًا، حتى النفايات المشعة العالية المستوى لديها قدرة طبيعية على أن تصبح أكثر أمانًا بمرور الوقت.

بالحديث عن السلامة، لا يمكن نكر الواقع: لا يتذكر تاريخ الصناعة النووية (منذ افتتاح أول محطة للطاقة النووية في عام 1954 في أوبنينسك في الاتحاد السوفياتي) سوى ثلاثة حوادث نووية واسعة النطاق. أدى كل حادث إلى إعادة تقييم شاملة لمتطلبات السلامة. كما تعلمون، لم يمت أحد من التسمم الإشعاعي في فوكوشيما. دفع تحليل السبب الجذري إلى العديد من التحسينات في تصميم وتشغيل محطات الطاقة النووية. حسب تقرير التكنولوجيا النووية ، “تم تصميم المنشآت النووية مع حواجز وقائية متعددة لحماية الناس والبيئة من إطلاق المواد المشعة. وحسب التبرير التنظيمي لمحطة الطاقة النووية المقترحة في المملكة المتحدة فإن جرعة الإشعاع لأي فرد من سكان المملكة المتحدة في السنة تساوي تقريبا الجرعة نتيجة رحلة العودة من المملكة المتحدة إلى نيويورك. إن صناعة الطاقة النووية مسؤولة عن أقل من 0.1% من الإشعاع الذي يتعرض له معظم الناس في حياتهم اليومية”.

تشير بعض التقديرات إلى أن الطاقة النووية تكاد تكون آمنة مثل مصادر الطاقة المتجددة، خاصة عند مقارنتها بالفحم أو النفط أو حتى الغاز الطبيعي.

إن الاعتماد على بائع التكنولوجيا (بشكل أساسي من حيث السياسة) مبالغ فيه أيضًا، كما هو موضح من قبل معهد المراقبة النووية الجديد (NNWI) في تقرير بعنوان “أمن الطاقة في عصر طموحات صافي الصفر وقيمة نظام الطاقة النووية”. يمكن إما تقليلها أو أنها غير مواتية للبائع نفسه. إذا انسحب البائع من المشروع قبل بدء البناء، فسيخسر العميل الأموال التي تم إنفاقها على النفقات الإدارية (على سبيل المثال، المفاوضات). ولكن سيتم شطب نفس النفقات كخسارة من قبل البائع أيضًا. وبالتالي، فإن خطر الانسحاب من المشروع غير محتمل للغاية، مع كون مشروع بوشهر هو الاستثناء الوحيد. كما تعلمون، تم إطلاق بناء محطة بوشهر للطاقة النووية من قبل قسم سيمنز في عام 1975 وتم تعليقه بعد 5 سنوات لأسباب سياسية. بعد 12 عامًا أخرى، في عام 1992  تدخلت روساتوم في المشروع، وفي سبتمبر 2011  تم توصيل وحدة بوشهر1 بشبكة الكهرباء الوطنية. وتثبت محطة بوشهر أنه يمكن لمورّد آخر إكمال مشروع بناء نووي. أخيرًا، يمكن التخفيف من مخاطر انقطاع إمدادات الوقود النووي من خلال بناء الاحتياطيات. بصرف النظر عن ذلك، أصبحت المنافسة الآن شديدة لدرجة أن الفشل في الوفاء بالالتزامات التعاقدية أمر غير وارد.

للتلخيص، إن التوليد النووي خالٍ من الكربون وموثوق ومستقل عن الطقس أو أسعار الوقود، ويمنع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والرماد والغبار. مع وجود بيئة سياسية مواتية وقبول عام فإن الطاقة النووية قادرة على تقديم مساهمة كبيرة لمستقبل الكوكب النظيف.